استقبال دقلو للوفد الإسرائيلي .. ما وراء الحدث ؟؟



قراءة / أحمدطه صديق
لم يكن أحد من قيادات القوات المسلحة أو المكون العسكري على رأس مستقبلي الوفد الإسرائيلي الذي هبط مطار الخرطوم أول أمس لإجراء مباحثات مع الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة حول تطورات الأوضاع في السودان حيث كان في إستقبالهم قائد ثاني قوات الدعم السريع الفريق عبد الرحيم دقلو وييدو إن قيادة القوات المسلحة ترى إن عدم وجود علاقات رسمية حتى الآن مع إسرائيل لن يكون من المناسب أن تكون حاضرة في مشهد الإستقبال والإكتفاء بالتحاور على مناضد الحوار ، وكان الإعلام الإسرائيلي قد نشر معلومات عن مسار الطائرة، وقال إنها تابعة لجهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، و كانت هبطت في شرم الشيخ المصرية، قبل أن تتابع رحلتها إلى السودان وتحمل الطائرة رقم الطيران GLF3 وهي من نوع غلف استريم.

وقالت هيئة البث الإسرائيلية، الأربعاء، إن ممثلة واشنطن لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد، طلبت من إسرائيل (التدخل) في أزمة السودان، والعودة إلى (المرحلة الانتقالية بقيادة مدنية).
إسرائيل والدعم السريع
وكانت الوكالات العالمية والإقليمية قد كشفت في العاشر من سبتمر الماضي عن زيارة غير معلنة قام بها الفريق عبد الرحيم دقلو وهي زيارة  وفق المتابعون للشأن السياسي في السودان ربما لا تنفصل عن التدعيات الأخيرة المتسارعة  التي سبقت قرارات الخامس والعشرين من أكتوبر حيث ان الشراكة آنذاك بين المدنيين والعسكريين قد تعرضت لعدة شروخ  سيما بعد المحاولة الإنقلابية الفاشلة في ذلك الوقت ، كذلك وما قبلها من إحداث شرق السودان المتمثلة في قفل طريق الشرق وإلتسبب في إغلاق الموانئ البحرية التي تمثل رئة السودان وإقتصاده ، وطوال تلك الأيام حدث تراشق كلامي بين بعض الرموز العسكرية والمدنية وقد أبدى المدنيون قلقهم من عدم لعب العسكريون دوراً فاعلاً لوقف الإعتصام في شرق السودان وإتهامهم بأنهم بدوا غير متحمسين لتسليم رئاسة السيادة للمدنيين بحسب الوثيقة الدستورية عطفاً على تصريح الفريق محمد حمدان دقلو نائب رئيس مجلس السيادة حيث أكد بوضوح ودون مواربة عندما قال: ( إنهم لم يناقشوا أمر تسليم رئاسة مجلس السيادة للمدنيين،وليس ضمن أجندتهم في الوقت الراهن لجهة أن الأمر سابق لأوانه)  كما قطع الطريق على مطالب قوى الحرية والتغيير إعطاء الحكومة المدنية حق الإشراف على جهاز الأمن والشرطة حين قال (: لن نسلّم الشرطة والجهاز إلا لحكومة منتخبة، (حكم قراقوش تاني مافي).
كما حاول في نفس التصريحات التأكيد على إنهم كعسكريين يمثلون مفتاح الخروج من أزمة البلاد بينما المدنيين همهم اللهث على كراسي الحكم وقال (إنّ الأزمة الراهنة بيّنت لهم أنّ طموح المدنيين في الكراسي،بينما تفكيرهم كعسكريين ينصب في كيفية إخراج البلاد من أزمتها التي تعيشها الآن) فكل تلك التصريحات كانت ملامحها الأساس هو تكريس الحكم العسكري في الفترة الإنتقالية بمشاركة مدنية لا تحمل سمات المعارضة الحالية للكيان العسكري في مجلس السيادة وهو ما يفسر قيام جسم مواز للحرية والتغيير طالب آنذاك بإنتزاع شرعية رسمية من رئيس الوزراء ورئيس مجلس السيادة وتبعه إعتصام موال للعسكر طالب فيه بعض قياداته لتفويض القوات المسلحة لاستلام الحكم.

كل هذه التداعيات وإن بدت بعيدة شئ ما عن زيارة دقلو لاسرائيل بيد أن توقيتها ودلالتها من خلال استقراء تلك الأحداث الماضية واللاحقة يشير بأنه لا يمكن النظر إليها بعيد عنها ، سيما فإن إسرائيل معروفة تريد توسيع مظلة علاقاتها بالدول العربية وإن الأنظمة العسكرية والقابضة هي الآلية المناسبة كما أن الولايات المتحدة  تتسم سياستها الخارجية بالتفاهمات البرغماتية مع الأنظمة العربية وحتى التيارات السياسية الموازية أو المعارضة للحكومات في حالة تتوفر هناك مصالح تعتبرها ذات طابع قومي سواءً كانت مرحلية أو استراتيجية ، وبالرغم من أن الولايات المتحدة ظلت تشير في خطابها السياسي بإنها تريد دمج كل القوات التي لا تعتبر جسماً واحداً في القوات المسلحة لكن ذلك لم يكن يمنعها من غض الطرف عن هذا الأمر إن كان يحقق لها شيئاً من الأهداف والمصالح القومية  ، والمعروف إن الولايات المتحدة مهمومة بقضية مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية والتي يعتبر السودان بحدوده المطلة على عدد من الدول الإفريقية بعضها غير مستقر مما يجعل من تلك المهددات أمراً ممكناً ، لهذا فالسودان ممثل في المكون العسكري ظل يطرح نفسه كآلية فاعلة في التصدي لتلك القضايا المؤرقة لدول الغرب والولايات المتحدة سيما قضية مكافحة الإرهاب لهذا فقد كان نظام البشير يحاول أن يحسن علاقاته مع الولايات المتحدة بمنع بعض المنظمات (الرايدكالية) التي سبق أن استقطبها النظام سيما في فترة التسعينيات من القرن الماضي وعمل على تسليم بعض العناصر المطلوبة دولياً بحسب المصادر والتقارير الأمريكية التي إمتدحت تعاون حكومة البشير في هذا الجانب لكنها لم تعطها المكافأة المنشودة وهي إخراج السودان من قائمة الإرهاب وقبل أيام أعلن مجلس الأمن والدفاع عن تكوين قوة لمكافحة الإرهاب يمكن النظر إليها أيضاً في إطار الأزمة الحالية بين المدنيين والعسكر حيث يريد المكون العسكري تحييد الولايات المتحدة أو على الأقل تخفيف ضغوطها على العسكريين في التفاوض بحيث لا تكون هناك تنازلات تغير المعادلة السياسية تجاه المدنيين وتضعف القبضة القوية الآن من العسكر في الشأن السياسي ، كذلك فإن قوات الدعم السريع التي تواجه الإنتقاد من بعض المنظومات الحقوقية الدولية وبعض السياسيين الغربيين في أوقات سابقة وحالياً ضمن شراكتها في الحكم بعد الأحداث الدامية التي خلفها فض التظاهرات السلمية لهذا فهي تحاول أن تجد لها دور فاعل مرحلياً واستراتيجياً في معادلة الحكم في السودان بحيث تظل كقوة لها كيانها المنفصل لكنها تظل تحت رعاية الدولة ومظلة القوات المسلحة كقوة متعاونة في المهام الأمنية ،بل ربما  تكون  لدى لقادتها تطلع للعب دور في المشهد السياسي بعد الإنتخابات القادمة  وإن كان هذا الأمر مرتبط  بحدوث تحولات (دراماتيكية) في السودان إذا ما إستمر الواقع الآن دون تغيير جذري في خارطة الحكم بحيث تكون قوى الثورة في نفس خانة المعارضة الثورية مما يعني أيضاً رفضها لنتائج الإنتخابات التي إذا ما جرت وفق الواقع الظرفي الآن فإن المشهد السياسي سيحمل ننفس الملامح والجينات في المرحلة القادمة .

من هنا فإن تحقيق تلك الأهداف لا يمكن أن تمر إلا عبر الجسر الأمريكي والذي تمسك دولة اسرائيل بإشارة مروره الخضراء لهذا فأنه لا يتوقع من الوفد الإسرائيلي الذي تقول الولايات المتحدة إنها طلبت منه التوسط لإنهاء الأزمة السودانية من خلال تليين مواقف العسكر وفقاً للمعطيات السابقة أن يمارس ضغوطاً مؤثرة على العسكر  تبعدهم من المشهد أو حتى تضعف مشاركتهم في الحكم كما ليس من المتوقع أن يطالب الوفد الاسرائيلي بدمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة وفق الترتيبات الأمنية أسوةً ببقية الحركات المسلحة الأخرى فمن المتوقع أن تأتي التنازلات غير مؤثرة كذلك يرى المراقبون إن خارطة فولكر ممثل الأمم المتحدة (يوينتامس) لدعم الديمقراطية في السودان ستكون ملاحمها الوجه الآخر لما سيصل إليه الوفد الإسرائيلي والأمريكي  مما يعني بأن حراك الشباب الثائر سيستمر في حين تظل المآلات في مستقبل البلاد السياسي والأمني مفتوحة لكل الإحتمالات


Subscribe to my newsletter

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ